محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
189
شرح حكمة الاشراق
واعلم أنّ الوحدة ، وهي تعقّل العقل لعدم انقسام الهويّة أيضا ، ليست بمعنى زائد في الأعيان على الشّىء ، وإلّا كانت الوحدة شيئا واحدا من الأشياء ، لأنّ التّقدير أنّها موجود واحد من الموجودات ثابتة للموصوف بها ، فلها وحدة . إذ الواحد ماله وحدة . وأيضا ، في الاستدلال على أنّ للوحدة وحدة ، يقال : « واحد وآحاد كثيرة » ، كما يقال « شئ وأشياء كثيرة » . لدلالته على أنّ الوحدة والكثرة تعرضان لطبيعة الوحدة كما تعرضان للشئ ، ولهذا يقال : وحدة واحدة ووحدات كثيرة ، كما يقال : شئ واحد وأشياء كثيرة . ولمّا كان الواحد ذا وحدة ( 95 ) واحدة ، والآحاد ذات وحدات كثيرة ، استعمل الواحد والآحاد بدل الوحدة والوحدات ، لتلازمهما . ثمّ الماهيّة والوحدة الّتى لها إذا أخذتا شيئين ، فهما اثنان : أحدهما الوحدة ، والآخر الماهيّة الّتى هي لها ؛ فيكون لكلّ واحد منهما وحدة . فيلزم منه محالات : منها : أنّا إذا قلنا « هما اثنان » يكون للماهيّة دون الوحدة وحدة ، ويعود الكلام متسلسلا إلى غير النّهاية . ومنها : أن يكون للوحدة وحدة ، ويعود الكلام ، فتجتمع صفات مترتّبة غير متناهية . وهو ظاهر لا يحتاج إلى بسط وتقرير . وإذا كان حال الوحدة كذا ، من كونها أمرا اعتباريّا عقليّا فقط ، فالكثرة لا تكون إلا عقليّة ، لتركّبها من الوحدات . ولمّا كان العدد كثرة مجتمعة من الوحدات وكان العرض بيان كون الأعداد أمورا اعتباريّة ، عبّر عن الكثرة بالعدد ، وقال : فالعدد أيضا أمر عقلىّ ، فإنّ العدد إذا كان من الآحاد ، أي : الوحدات : والوحدة صفة عقليّة ، فيجب أن يكون العدد كذا . كما قرّرنا ، فالعدد معنى قائم بالنّفس ، به يعرف القليل والكثير والزّائد والنّاقص . وجه آخر ، في أن العدد أمر اعتبارىّ عقلىّ : هو أنّ الأربعة إذا كانت عرضا [ قائما ] بالإنسان ، مثلا ، فإمّا أن يكون في كلّ واحد من الأشخاص الأربعيّة تامّة ، وليس كذا ؛ وإلّا كان كلّ شخص أربعة ، أو في كلّ واحد شئ من الأربعة ، وليس ، ذلك الشّىء من الأربعيّة الّذى في كلّ واحد ، إلا الوحدة ، الّتى لا وجود لها إلّا في العقل .